مصر والسعودية.. حين يصبح أمن البلدين مسؤولية مشتركة
لم تكن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن أمن المملكة العربية السعودية مجرد تأكيد جديد على عمق العلاقات بين القاهرة والرياض، بل جاءت لتضع أمام الجميع حقيقة لا يجوز إغفالها، وهي أن ما تتعرض له أي من الدولتين من تهديدات لا يمكن النظر إليه بمعزل عن أمن الأخرى، ولا عن استقرار المنطقة العربية بأكملها.
فالعلاقات المصرية السعودية لم تُبنَ على تقارب سياسي عابر، ولم تتوقف عند حدود المصالح الاقتصادية أو المجاملات الدبلوماسية، وإنما هي علاقة صنعتها الجغرافيا، ورسختها المواقف، وأثبتت الأحداث أن التعاون بين البلدين يمثل أحد أهم عناصر التوازن في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب التصريحات الرئاسية أهمية خاصة، بما حملته من تأكيد على وقوف مصر إلى جانب المملكة في مواجهة ما قد يهدد أمنها، دون أن يعني ذلك التخلي عن النهج المصري القائم على تغليب الحلول السياسية وتجنب الانزلاق إلى صراعات عسكرية لا تخدم مصالح الشعوب.
ولعل الجانب الذي يستحق التوقف عنده هو الإشارة إلى دور مجلس النواب في أي قرار قد يستلزم تحركًا عسكريًا خارج الحدود المصرية. فالمسألة هنا لا تتعلق بالإرادة السياسية وحدها، وإنما تخضع لقواعد دستورية محددة، تعكس طبيعة القرارات السيادية وخطورتها، وما تقتضيه من تقدير دقيق للمصالح الوطنية والالتزامات القانونية.
وتنظم المادة 152 من الدستور المصري الأحكام المتعلقة بإعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهام قتالية إلى خارج حدود الدولة، وتضع لهذه القرارات ضوابط وإجراءات لا يجوز تجاوزها. وعلى المستوى الدولي، يظل أي استخدام للقوة محكومًا بأحكام ميثاق الأمم المتحدة، وبخاصة القواعد المتعلقة بحظر استخدام القوة والاستثناءات المقررة قانونًا، ومنها حق الدفاع الشرعي عن النفس وفقًا للمادة 51.
ولهذا، فمن الضروري التمييز بين إعلان الاستعداد السياسي للدفاع عن دولة شقيقة وبين صدور قرار فعلي بالتدخل العسكري. فلكل منهما طبيعته وآثاره وإجراءاته، والتعامل المسؤول مع التصريحات الرئاسية يقتضي إدراك هذا الفارق، بعيدًا عن التهويل أو تحميل الكلمات ما لم تتضمنه.
أما على الصعيد السياسي، فإن الموقف المصري يعكس فهمًا لطبيعة المخاطر التي تحيط بالمنطقة. فأمن المملكة العربية السعودية لا يرتبط بحدودها وحدها، كما أن الأمن القومي المصري لا يبدأ وينتهي عند الحدود المصرية. هناك مصالح مشتركة، وممرات ملاحية حيوية، وارتباط اقتصادي واستراتيجي يجعل استقرار كل طرف ذا أثر مباشر في الطرف الآخر.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل المواقف السعودية الداعمة لمصر في مراحل مهمة من تاريخها الحديث. فالعلاقات الراسخة بين الدول لا تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة فحسب، وإنما تظهر قيمتها الحقيقية حين تمر إحدى الدول بظروف استثنائية وتجد إلى جانبها من يدرك أهمية الحفاظ على استقرارها.
ومن هنا، فإن الدفاع عن أمن المملكة لا ينبغي فهمه باعتباره موقفًا مرتبطًا بظرف سياسي طارئ، بل امتدادًا لرؤية أوسع تعتبر أن الحفاظ على استقرار الدول العربية الكبرى ضرورة لحماية المنطقة من مزيد من الاضطراب.
ومع ذلك، فإن قوة الموقف لا تُقاس بحدة التصريحات، وإنما بقدرته على تحقيق الردع دون التورط في مواجهات يمكن تجنبها. فالحكمة السياسية تقتضي الجمع بين وضوح الموقف والاستعداد لحماية المصالح، وبين إبقاء أبواب الحوار مفتوحة ما دامت هناك فرصة لتجنيب المنطقة ويلات الحرب.
لقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الصراعات حين تتسع لا تظل آثارها محصورة في أطرافها المباشرة، بل تمتد إلى الاقتصاد وحركة التجارة وأمن الملاحة وحياة الملايين من المواطنين. ولذلك، فإن الدعوة إلى التهدئة ليست موقفًا ضعيفًا، بل قد تكون الخيار الأكثر مسؤولية، شريطة أن تستند إلى قدرة حقيقية على حماية الأمن والسيادة.
إن الرسالة الأهم التي ينبغي استخلاصها من هذه التصريحات هي أن التضامن العربي لا يكفي أن يبقى شعارًا يتردد في المناسبات، وإنما يجب أن يتحول إلى تنسيق سياسي وأمني واقتصادي مستمر، يقوم على احترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، وتقديم المصالح المشتركة على الخلافات العابرة.
فمصر والسعودية تمتلكان من الثقل السياسي والمكانة الإقليمية ما يجعلهما قادرتين على الإسهام في حماية الاستقرار، متى توافرت الإرادة المشتركة وحسن تقدير المواقف. وليس المطلوب أن تتطابق رؤى الدولتين في كل تفصيل، وإنما أن تظل القضايا التي تمس أمنهما واستقرار شعبيهما خارج نطاق المساومة.
إن أمن مصر والسعودية ليس عبارة سياسية تُقال في وقت الأزمات، بل حقيقة تؤكدها المصالح والتاريخ، ومسؤولية تفرضها تحديات الحاضر. وكلما ازدادت المنطقة اضطرابًا، ازدادت الحاجة إلى علاقة مصرية سعودية قوية، تتعامل مع التهديدات بحزم، ومع الأزمات بحكمة، وتضع سلامة الشعوب واستقرار الدول فوق كل اعتبار.
حفظ الله مصر والمملكة العربية السعودية، وأدام على شعبيهما الأمن والاستقرار، وحفظ قيادتيهما من كل سوء.


















