م اشرف الكرم يكتب ”“مجتمعٌ ينأى وأرواحٌ تنتحر”“
تألمنا جميعًا عند نشر فيديو التي انتحرت -يرحمها الله-، وكيف كانت في حالة نفسية متوترة، يتضح فيها حجم الضغوط الاجتماعية والإحساس بالظلم الشديد، الذي قد يدفع الإنسان إلى أن يكتب استقالته من الحياة بيده، في لحظات الانهيار النفسي.
والذي رصدته من ردود فعل الناس كان متباينًا وكثيرًا؛ حيث راح الكثيرون إلى لوم المنتحرة، وآخرون إلى تقديم الإرشاد الديني والنهي عن فكرة الانتحار التي ليس فيها استسلامٌ لله، والبعض أخذ يكيل الاتهامات على الزوج، وكيف أنه مذنب، إلى آخر تلك التفاعلات التي كرّست -في ظني- مجتمعًا يبتعد وينأى عمّا يجب عليه.
وأود هنا التركيز على نقاط لم تأخذ حقها في ردود الأفعال، ملقيًا عليها الضوء؛ لعلنا ندق جرسًا في أذن من ينأى عن واجباته، وهي:
أولًا: أين الدور المجتمعي للتهدئة والنصح؟
إذ يظل الظلم الذي يقع من شخص على آخر رهين حكم من طرفٍ ثالث، ومن الخطورة الشديدة أن نحكم على أي طرف بأنه ظالم لمجرد انهيار الطرف المقابل؛ حيث إن الأفكار الشخصية -أحيانًا- تجعل طرفًا يعتقد أنه مظلوم، في حين أنه قد يكون ظالمًا بشكلٍ ما. وهنا يجب على المجتمع -مُمثَّلًا في المحيطين بالطرفين- أن يُبيّن ذلك من باب الإصلاح بين الناس، وأن يأخذ على يد المتعدي من أيٍّ منهما، لردع الظالم وإعطاء الحق للمظلوم. وهو الدور المجتمعي الغائب، والذي بالتقاعس فيه نصل إلى نتائج شديدة السواد.
ثانيًا: أين دور مجموعات المساندة؟
وهي التي يجب أن ينتقيها كل إنسان بنفسه؛ ليكون منهم مَن لديه دراية بعلم النفس، وآخر ممَن يكبره خبرةً وسنًا، وغيرهم ممن يعيشون نفس ظروفه كأصدقاء ناصحين، وممَن لديهم علوم دينية، إلخ. مجموعة مساندة نفسية يلجأ إليها -مطمئنًا لهم بعدم كشف أسراره- ليستقي منهم المشورة، وتهدأ بهم نفسه إذا اضطربت.
ثالثًا: مفهوم ما بعد الموت،
نحتاج لنشر هذا المفهوم، حيث إن المنتحر يسارع بيده إلى الدخول في حياةٍ أخرى، هي "حياة البرزخ"، وهي امتداد لما نفعله في الحياة الأولى (الدنيا)، والتي قد يتركها المنتحر ليبدأ معاناةً أخرى بانتحاره، بشكلٍ لا نعرف تفاصيله الكاملة.
رابعًا: إعادة تناقل فيديو الانتحار،
فهذا التناقل شيءٌ يجعل الفكرة قريبة من أذهان المتعَبين والواقعين تحت الضغوط، ويؤدي إلى استسهالها. وعلى النظام والمجتمع والأفراد تجريم نشر تلك المقاطع ومحاسبة من ينشرونها، وليس الاكتفاء بالمشاهدة.
وفي الحقيقة، أجدني مضطرًا إلى عدم توجيه اللوم للمنتحر بمفرده، بل أيضًا للمجتمع -الذي يمثله المحيطون-، وكيف أننا نترك الطرفين المتنازعين دونما تدخل حقيقي ومتزن، وبشكلٍ عقلاني وعادل؛ كي لا نصل إلى استساغة، بل وانتشار أفعال كنا لا نخشى حدوثها من ذي قبل.


















