د محمد حشيش يكتب : من الظل إلى العلن: كيف تكشف أزمة “البواب” عمق الاقتصاد الموازي؟
لم تعد واقعة “البواب” الذي يهدد صاحبة شقة ويطلب 75 ألف جنيه مقابل “سمسرة” مجرد قصة عابرة تُشعل الجدل على مواقع التواصل… بل أصبحت مرآة حقيقية لواقع أوسع وأعمق نعيشه منذ سنوات طويلة.
المفارقة أن هذا النموذج ليس جديدًا على المجتمع. قبل ما يقرب من أربعة عقود، قدّم الفنان أحمد زكي شخصية “عبدالسميع” في فيلم البيه البواب، مجسدًا نفس السلوكيات التي نراها اليوم. لم يكن العمل وقتها خيالًا بقدر ما كان قراءة مبكرة لواقع يتشكل في الظل… واقع أصبح الآن أكثر وضوحًا وجرأة.
القضية إذن ليست في “شخص البواب”، بل في منظومة كاملة تُعرف بالاقتصاد الموازي. هذا الاقتصاد لا يظهر في الدفاتر الرسمية، لكنه حاضر بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، من العقارات إلى التجارة والخدمات. يعمل بلا رقابة كافية، وبدون أطر قانونية تحمي أطرافه أو تنظم علاقاته، ما يفتح الباب لممارسات قد تصل إلى الابتزاز والاستغلال.
البعض قد يبرر اللجوء إلى هذا الاقتصاد بالهروب من الضرائب أو تعقيد الإجراءات، وهي أسباب حقيقية في كثير من الأحيان. لكن النتيجة النهائية تبقى واحدة: خسارة للدولة في مواردها، وإضعاف لمبدأ تكافؤ الفرص، وخلق بيئة خصبة لممارسات غير عادلة يدفع ثمنها المجتمع كله.
السؤال الأهم هنا: هل نتعامل مع هذه الوقائع كحالات فردية، أم كأعراض لمرض أكبر؟
الواقع يشير إلى أننا كثيرًا ما نكتفي بردود أفعال مؤقتة، دون التطرق إلى الجذور الحقيقية للمشكلة، والتي تراكمت عبر سنوات طويلة حتى أصبحت أشبه بـ “إرث غير منظم” يفرض نفسه على السوق.
المواجهة الحقيقية لا تكون فقط عبر العقاب، بل من خلال إصلاح بيئة العمل نفسها. تبسيط الإجراءات، تقليل الأعباء، وبناء ثقة حقيقية بين المواطن والدولة، كلها خطوات ضرورية لدمج هذا الاقتصاد داخل المنظومة الرسمية. فبدلًا من أن يظل في الظل، يمكن تحويله إلى قوة داعمة للنمو والاستقرار.
في النهاية، أزمة “البواب” ليست إلا عرضًا لمشكلة أكبر.
وما لم يتم التعامل مع جذور الاقتصاد الموازي بشكل جاد، ستظل مثل هذه النماذج تتكرر… وربما بشكل أكثر حدة.
الإصلاح الحقيقي يبدأ حين ندرك أن المشكلة ليست في الأفراد… بل في النظام الذي سمح بوجود هذه الممارسات ونموها خارج الإطار الرسمي.


















