م.اشرف الكرم يكتب ”“أخطاء الأبناء وجلد الآباء”“
قالت وهي حزينة: كيف نصل إلى حوار إيجابي بين الأبناء والوالدين؟ حوار لا تكون فيه صورة ذهنية سلبية عن آراء الآباء، بأنها بالية وقديمة، ولا عن آراء الأبناء، بأنها متعجلة وسقيمة؟ حوارًا لا يجعل الأبناء يخطئون ويدفع ثمن أخطائهم الآباء.
انتبهت لسؤالها، ودارت أمامي أحداث الحياة، باختلافاتها بين جيلنا وجيل آبائنا، وأيضًا بين جيلنا وجيل أبنائنا، لأجد أن الصورة شبه متطابقة في المعاني وردود الأفعال، مع فارق في الأدوات والمعلومات.
وباديء ذي بدء، فإنني ألحظ دائمًا أن التقريع واللوم يأتي على الوالدين عند انزلاق الأبناء في الأخطاء؛ فمثلًا السيدة التي حثّت ابنها على سبّ الأب والجد، نسمع اللوم على والديها، والفتاة التي ادّعت على سائق سيارة النقل الذكي، أيضًا كل اللوم على والديها وتربيتهما لها، وغير ذلك كثير مما أرصده من ردود وتعليقات القراء على مثل تلك الموضوعات في مواقع التواصل الاجتماعي.
وحين أنتقل بالصورة إلى أعظم الآباء، وهم الأنبياء، أجد أن ابن سيدنا نوح، عليه السلام، قد عصاه ولم يمتثل، وأبناء سيدنا يعقوب، عليه السلام، أيضًا تخلّصوا من أخيهم في جريمة نكراء، وغير ذلك من الآباء الذين يربّون، وتكون النتائج سلبية في الأبناء، بمعنى ان صلاح التربية ليس بالضرورة يُنتج استقامة المسيرة.
وعطفًا على سؤالها قلت يا سيدتي: أولًا، لا بد وأن نرسّخ مفاهيم هامة في هذا الصدد، وأهمها هو أن مسئولية الآباء عن الأبناء تنحصر في اتباعهم لأسباب التربية في الصغر، وبعد ذلك ينطلق الأبناء إلى ما يتلقفونه من البيئة والمجتمع، متمثلًا في الأصدقاء والزملاء، وفي الشارع والنوادي، وفيما يشاهدونه على مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية من مواد توجههم وتفتح لهم آفاقًا معرفية سلبية أو إيجابية، ويكون تأثيرها عليهم كبيرًا؛ حيث أصبحت التربية اليوم ليست للوالدين فحسب، بل إن كل تلك الأدوات المتعددة تربي الأبناء، وبقوة تأثير أكبر من قوة تربية الآباء للأبناء. لذا، فمن العدل ألا نلقي اللوم على تربية الآباء بتعجّل، بل نحتاج إلى دراسة مستفيضة لكل حالة على حدة.
أما عن فشل الحوار الغالب بين الأبناء والآباء، فهذا يرجع إلى عدم غرس قيمة قبول الاختلاف في عموم أجيالنا على مر الزمان. فنحن جميعًا، آباءً وأبناءً، لا نجيد الحوار الصحيح، فنخلط بين الاتهام والرأي، وبين الاستهزاء والحوار، ولا تخلو حواراتنا من الإساءة والتعدي، وهنا يفشل الحوار، ليس لأنه بين الأبناء والآباء، بل لأننا كمجتمع لا نجيد أساليب الحوار أصلًا، ونتمترس خلف قناعات بأننا الأصوب، وأن ما دوننا -أبناء أو آباء- هم على الخطأ المبين.
علينا أن ننشر ثقافة الحوار وآدابه، وأن الحوار الذي يختلط باتهام أو استهزاء أو تجريح، فهو ليس بحوار، كي نصل الى استماع الآباء للأبناء والعكس أيضًا.
لنغرس مفهوم إن الحوار وإبداء الرأي هو للوصول إلى الأصوب، وليس لإثبات أنني الأصوب.


















