م.اشرف الكرم يكتب ”“ثمن الطِيبة”“
دخل صاحبُنا إلى مجموعةٍ على فيسبوك ("الجروب") تضم عشرات الآلاف من الأعضاء، ممن اعتادوا أن يتلقفوا مدوناته التي يلقيها عليهم من حينٍ إلى آخر داخل الجروب نفسه.
وبدأ في طرح الموضوع الذي يرى أنه سيجذب أكبر عدد من المتابعين، تحقيقًا لـ"التريند"، وكتب قائلًا:
"هل دفعتَ ثمن طيبتك، ولاقيتَ بدلًا من الشكر إساءةً وخذلانًا؟"
والسؤال هنا ظاهره الرحمة، وباطنه كل العذاب؛ إذ يستنطق السائلُ القارئَ بالإجابة التي يريدها هو من سؤاله.
وعلى الفور، تبارى الأعضاء، الذين لم يُقصِّروا في الرد، في سرد ما يشعرون به من مشاعر سلبية تجاه طيبتهم الغامرة، وحسن نواياهم العامرة، وما ذاقوه من ردود أفعال سيئة ومقيتة ممن أحسنوا إليهم بطيبة قلوبهم.
والغريب أن المشاركين كانوا كثيرين، ومع ذلك أجمعوا على أنهم لاقوا الإساءات بسبب طيبتهم، ولم أقرأ لأحدٍ منهم من يقول إنه لم يدفع ثمن الطيبة التي قدمها للغير.
شاركتُ الجموع، وطرحت سؤالًا: هل لا يوجد أي إنسان يقدم الطيبة والخير للآخرين، ولا يدفع ثمن طيبته؟ أليس هذا أمرًا يستدعي التوقف قليلًا والتفكير؟
وفي الحقيقة، فإن هؤلاء الأعضاء وقعوا فريسة لشيئين؛ أولهما ما ذكرته آنفًا، وهو أن السؤال استفهامي، ولكن غرضه سماع الإجابة التي يريدها السائل. أما الشيء الآخر الذي وقع فيه هؤلاء الأعضاء، فهو تسلط الأفكار السلبية عليهم تجاه الطيبة والعمل الطيب مع الآخرين.
ومع وجود هذه الأفكار السلبية، وما يتناقله الناس عما يلاقونه بسبب حسن النوايا، ترسخت في أذهانهم مشاعر سلبية تجاه أي عملٍ حسن يُقدَّم للآخرين. وهذه المشاعر السلبية هي التي تؤدي إلى استدعاء تلك المواقف السيئة -التي قد يكون حدوثها قليلًا- لكنها تطغى على غيرها، فينطق بها معظم المشاركين؛ لأن المشاعر، عمومًا، هي التي تحرك الإنسان نحو السلوكيات القولية أو الفعلية.
وعلى الفور، شاركت معهم وقلت:
ومن قال إن الطيبة أصلًا لها ثمن؟
فثمن الطيبة لا يدفعه أحد، ولا يقدر عليه أحد. وثمن الطيبة لا نطلبه من أي أحد، بل ينبغي ألا نطلبه إلا من الواحد الأحد، فهو وحده الذي يعوض صاحب التعامل الطيب عما يقدمه من خير للآخرين، وبصورة أكبر مما يتخيله أحد.
أما من ينتظر رد الجميل ممن أحسن إليه، فسينتظر كثيرًا، ولن يجد ما يتوقعه منه أو يتمناه، ولو بعد حين.


















