م اشرف الكرم يكتب ”“بيت الوطن... والانتماء للوطن”“
لم تكن الدولة في السابق تُعير اهتمامًا كبيرًا للمصريين بالخارج، الذين يفوق عددهم عشرة ملايين مغترب مصري، ويُعَدّون سفراء لمصر في الكثير من الدول المحورية في منطقتنا العربية أو الأجنبية.
لكن، في الآونة الأخيرة، أولت الدولة الجديدة اهتمامًا كبيرًا بأبنائها في الخارج، وجعلت مشكلاتهم نصب أعينها، وأشعرتهم بأنهم جزء مهم من قطاعات الشعب المصري، مما جعل المصري المغترب يشعر بأن وطنه يحتضنه في الخارج، وليس في الداخل فقط.
وكانت الفكرة العبقرية التي قدمتها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، والمتمثلة في طرح أراضي مشروع "بيت الوطن"، جزءًا أصيلًا من منظومة الاهتمام بالمصري المغترب، مما جعله يستشعر صدق الروابط بينه وبين وطنه. وفي أروع مثال على قوة انتماء المغترب المصري إلى وطنه، انبرى المصريون بالخارج لحجز الأراضي التي تمثل لهم جذورًا يغرسونها في أرض الوطن، وتحفظ لهم أيضًا انتماء أبنائهم من الجيلين الثاني والثالث، الذين يعيشون في الغربة، إلى وطنهم الأم، مهما امتدت سنوات اغترابهم.
ولا شك أن من حق هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وضع الاشتراطات والضوابط، وهذا أمر مطلوب ولا شك فيه. لكن، لكي نستمر في اتجاه تقوية الروابط بين الوطن وأبنائه في الخارج، لابد أن نُدير الأمور بمرونة واعية، تحفظ حق الدولة، وفي الوقت نفسه، تحافظ على أواصر الانتماء والترابط مع هؤلاء المغتربين.
فحين نمر بالأزمات العالمية، كالحرب في أوكرانيا، التي أثرت بشكل مباشر في اقتصادات دول العالم، بما فيها مصر، وتنعكس بالتالي سلبًا على قدرات المغتربين المصريين في تلك الدول، وحين تمر المنطقة العربية بأهوال وكوارث، كما حدث في حرب غزة وما شهدته لبنان، والحرب الدائرة في منطقة مضيق هرمز، والتوترات القائمة بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية، وغير ذلك من الاضطرابات الشديدة على مستوى العالم، التي لا تخفى على أحد، تتأثر أوضاع هؤلاء المغتربين تأثرًا بالغًا، وقد أُنهِيَت تعاقدات الكثيرين منهم. فمنهم من عاد إلى مصر نهائيًا دون مورد مالي، ومنهم من بقي في تلك الدول، يبحث عن عمل بكل عناء. فكيف يُتوقع من هؤلاء الالتزام باستكمال تنفيذ المباني خلال المهلة المحددة في الاشتراطات؟
وإذا ما نظرنا إلى الإجراءات المتعلقة بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، فسنجد أن كثيرًا منها يستنزف وقتًا يُحتسب ضمن المهلة البنائية. فعلى سبيل المثال، قد يستغرق استخراج رخصة البناء شهورًا طويلة، وهو أمر لم يكن في حسبان أحد. كما أن أعمال المرافق لم تكتمل حتى يومنا هذا في أحياء مشروع "بيت الوطن" التجمع، على سبيل المثال، رغم أنه كان من المفترض الانتهاء منها منذ سنوات.
ونتفهم هذا التأخير في تنفيذ أعمال المرافق، انطلاقًا من اقتناعنا التام بالظروف الضاغطة التي يمر بها الوطن اقتصاديًا. وهو أمر يمكن تفهّمه وتقبّله، إذ إن الأهوال والأزمات العالمية تؤثر ولا شك، في مقدرات الدول، وليس الأفراد فحسب.
لكن، أليس من الأولى أن نتفهم أيضًا تأخر مالكي الأراضي في مشروع "بيت الوطن" عن استكمال البناء خلال المهلة المحددة وفقًا للاشتراطات، ونقبل به في ضوء الظروف نفسها؟ فهم الأكثر تأثرًا بهذه الظروف العالمية، شأنهم شأن غيرهم. وقد علمت أن هناك كثيرًا من قطع الأراضي بالمشروع قد أُوقِف التعامل عليها لانتهاء المهلة المحددة، وأن عددًا أكبر منها سيُوقَف التعامل عليه في الأشهر القادمة، لعدم استكمال التنفيذ خلال المهلة.
إن هؤلاء المصريين بالخارج لا يطلبون تخفيض سعر المتر الذي يسددون قيمته بالدولار، ولا مدّ نظام التقسيط، ولا رفع غرامات التأخير في سداد الأقساط. وإنما يتمثل مطلبهم المشروع في منحهم مهلة استثنائية إضافية، نظرًا للظروف القاهرة التي مررنا بها جميعًا، والتي حالت دون وفاء الدول بالتزاماتها، كما حالت دون تمكّن هؤلاء المغتربين من الوفاء بالتزاماتهم.
وأخيرًا، لقد حزنت كثيرًا على وطني حين سمعت ما قاله لي أحد الذين سُحبت منهم الأرض في مشروع "بيت الوطن"، واضطروا إلى دفع فرق بملايين الجنيهات، رغم أنه أنجز البناء حتى الدور الأول. فقد قال لي: "لن أستثمر شيئًا آخر في مصر"، ثم تركني وسافر.
هنا، أيقنت أن قليلًا من الوعي الإداري لدى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة قد يجذب إلى الدولة استثمارات يسيرة مضمونة، في حين أن غيابه قد يفقدنا من ذلك كثير، في وقت تعمل فيه القيادة السياسية الحكيمة جاهدةً على جذب رؤس الأموال الأجنبية.
وإلى جانب الخسارة الاستثمارية، هناك ما هو أبعد أثرًا وأعمق دلالة، وهو الحفاظ على انتماء المصريين بالخارج إلى وطنهم، أو إضعاف هذا الانتماء، من خلال قرارات قد يراها البعض محدودة التأثير، بينما يتجاوز أثرها ذلك بكثير.


















