م اشرف الكرم يكتب ”“التنظيمات... هي الفوضى الخلاقة”“
ليست نظرة متشائمة، ولا بعيدة عن الواقع حين أتوقع الأسوأ، في ظل الوعي الضعيف الذي عليه الآن البعض من الشعوب العربية، وأيضًا العالمية بعد ما يحدث الآن في بعض دول أوروبا.
والقاسم المشترك بين أدوات انهيار الدول في مشرقنا العربي كان ولا يزال، هو زرع كيانات تنظيمية غير رسمية، من داخل أبناء الوطن، لتفتيت وإنهاك هذا الوطن بأيدي أبنائه. بحيث يخلقون انقسامًا داخليًا باستخدام تنظيمات وجماعات ضد الدولة، ثم يساندون الطرفين ليستمر التقاتل والتحارب، إلى أن يصلوا إلى تفتيت وانهيار الدولة.
نجحوا في ذلك واستمروا فيه بعد أن اعتمدوه كفكرة وخطة، منذ حرب الثمانية سنوات بين دولتين جارتين، هما إيران والعراق، وتلقفوا الفكرة بعد نجاحها الساحق في إضعاف الدول المتجاورة، فطوروها لتكون عبر خلق تلك التنظيمات والجماعات داخل الدولة الواحدة، مع التعديلات الواجبة بما يتماشى مع طبيعة شعب كل دولة أو وطن، كما شاهدناه من انقسام فلسطين بين حماس وفتح، وانقسام أفغانستان بين حكومة رباني وطالبان، وفي لبنان باختلاق حزب حسن نصر الله ضد الدولة.
وفي العراق بين الشيعة "الحشد الشعبي" والسُنَّة، وفي شمالها الأكراد كعِرق مختلف، وفي ليبيا بين بنغازي الشرق ومخالفيهم في الغرب، وفي السودان بتقوية "حميدتي" ضد الدولة السودانية، وحاولوا في مصر مرارًا عبر الفتنة الطائفية وأيضًا عبر التنظيمات والجماعات ولكن الله سلم، وأخيرًا في اليمن بوجود الحوثيين ضد الدولة الواحدة.
لقد نجحوا تمامًا، ليس لأنهم بارعون، وليس لأنهم مجتهدون، بل لأن شعوبنا لا تنتبه ولا تعي جيدًا، وتتابع التدمير الذي أعلنوه ضدنا بوضوح منذ تسعينيات القرن الماضي، بضرورة إحداث الفوضى الخلاقة، والشرق الأوسط الجديد، متابعة المُغيَّبين عن مصالحهم، والسائرين سكارى في مواكب جنائزهم، دونما تحليل لخطط العدو التي قد قرأناها، ومكائدهم التي عرفناها، ونواياهم السيئة التي شاهدناها.
ولذلك فقد استمروا، بنا لا يكترثون ومنا لا يخافون، وهذا أيضًا ليس لأننا قليلي العدد وليس لأننا ضعاف الفهم لما يمكرون به ضدنا، لكن فقط لأنهم يعلمون بأننا بلا وعي كافٍ، يصل بنا إلى التعامل مع خططهم ومؤامراتهم التي نجحت الواحدة تلو الأخرى.
وبمجرد زرع تلك التنظيمات داخل النسيج الواحد للدولة، وبشيء من الجذب العاطفي لها، عن طريق الدين أو المذهب أو العرق، وبمساعدة خبيثة لمساندة الطرفين ضد بعضهما البعض، تنهار مقومات الحياة في الوطن، ويؤدي ذلك لإضعاف الإنتماء للدولة الموحدة، وبالتالي يُحطم الشعب وطنه ونفسَه بنفسِه، في متوالية لا يردعها رؤية النتائج الكارثية لوجود تلك الجماعات أو التنظيمات داخل دولنا التي تم تدميرها بالفعل وتقسيمها.
إن المخرج الوحيد اليوم، لشعوبنا التي تمزقت في بلداننا العربية المنهارة والتي لم تنهار بعد، هو وعي الشعوب، والتسليم بقناعة راسخة بوجوب أن يقف الجميع مع الدولة المركزية، بمساندتها بكل قوة وبلا تردد، مهما كانت سلبيات العمل السياسي أو التنفيذي فيها، ضد أي تنظيمات أو جماعات أيا كان توجهها الأيدلوجي، والتي مجرد وجودها داخل أي دولة، هو نذير شؤم بأن هذه الدولة تسير اليوم في طريق الانهيار.


















