م.اشرف الكرم يكتب ..فعلها السادات... فهل يفعلها المرشد؟
في التاريخ الحديث، أذكر حين كنا نهرع لنجلس خلف المذياع، تحت الإضاءة الخافتة التي كانت بسبب توجيهات الدفاع المدني آنذاك، كنا نتابع الانتصارات العظيمة لجيشنا الباسل وهو يدك حصون العدو، ونتلقى البيانات العسكرية بكل فرحة ممزوجة بالخوف على أبناء جيشنا المغوار، وهم يُحطمون خط "بارليف" المنيع، ويكسرون شوكة العدو الذي كان يتغطرس خلف مقولة "الجيش الذي لا يُقهر".
وبعد تلك الانتصارات، فوجئنا بموافقة الرئيس السادات على قرار وقف إطلاق النار بشكل مفاجيء، والذي دخل حيز التنفيذ الفعلي يوم 28 أكتوبر 1973م.
وقد عارض البعض هذا القرار، ظنًا منهم أنه سيُضيّع ما كسبته مصر من انتصار عسكري، لكن ما اتضح لاحقًا أن الرئيس السادات كانت لديه رؤية ثاقبة، وأنه بعين الخبير السياسي والعسكري، أدرك ضرورة التوقف عن الاستمرار في المعركة، خاصة أن أمريكا فتحت جسرًا جويًا من المعدات والعتاد إلى دولة الكيان الغاصب. فكان لا بد من قرارٍ واعٍ، بعيدًا عن العنتريات والحسابات غير المدروسة.
لقد فعلها السادات حينها وكان منتصرًا.
وإذا ما عدنا إلى التاريخ القديم، سنجد أن القائد الفذ خالد بن الوليد قد فعلها أيضًا في سرية مؤتة، حيث واجه الروم بثلاثة آلاف مقاتل، ثم فوجئ بأن عددهم يبلغ مئة ألف. فأدرك بحسه العسكري والقيادي، أن القوتين غير متكافئتين، فقام بتنفيذ انسحاب تكتيكي محكم من المعركة. وحين عاد إلى المدينة، استقبله الصبية وقذفوه بالحجارة قائلين: "الفرار، الفرار!"، فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: "بل الكُرَّار، الكرار"، أي إن ذلك كان انسحابًا تكتيكيًا وليس فرارًا.
وأعتقد أن القوة العسكرية الإيرانية ليست متكافئة مع القوة الأمريكية الغاشمة المتحالفة مع الكيان الغاصب، وبالتالي، مهما حاول البعض الترويج عبر "البروباجاندا" لإظهار إيران في صورة المنتصر، فإن حسابات الخسائر لدى الطرفين تؤكد أنه لا انتصار حقيقي، بل تدمير وإضعاف لمقدرات الدولة الإيرانية.
وأرى أن على قيادات إيران، وعلى رأسها المرشد –إن كان في حالة صحية جيدة– أو من يخلفه، أن يعتبروا بدروس المواجهات العسكرية، سواء في العصر الحديث أو في عهد النبوة، وأن يتخذوا القرار بحكمة وروية، القرار الذي يحقن الدماء ويقلل من الخسائر المتوقعة، فضلًا عما تَحقَسق بالفعل من خسائر.
لقد فعلها الرئيس السادات وهو منتصر، وكذلك القائد خالد بن الوليد رضي الله عنه، وغيرهما كثير. فهل يفعلها المرشد في إيران، أم سيركن إلى الخطاب الشعبوي الذي يدغدغ المشاعر، مهما كلف ذلك من تدمير للبُنى التحتية الإيرانية، ومهما أُزهقت الأرواح، وتفاقمت الخسائر في المعدات والعتاد؟
سؤال ستجيب عنه الأيام القليلة القادمة.


















