”“محسن طاحون يكتب ”“ الـوصــل جميــــل”“
أوصانا ديننا الحنيف بالمحافظة على أواصر المودة والتواصل مع المحيطين بنا،
وأن نبني علاقاتنا على الجود والإخاء وحسن المعاملة. فمن أحسن إلينا أحسنا إليه،
ومن قصّر في حقنا قابلناه بالحلم والفضل،
وأن نكون سبّاقين إلى الخير، مبادرين إلى العفو والتسامح، فذلك من شِيَم الرجال، ونبل الأخلاق، وعلو المنزلة، ورفعة المكانة.
وأذكر في ذلك ما أوصى به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل عقبة بن عامر رضي الله عنه، إذ قال له:
«يا عقبة بن عامر، صِلْ من قطعك، وأعطِ من حرمك، واعفُ عمّن ظلمك».
ثم قال له:
«يا عقبة، أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك» (رواه الإمام أحمد).
وفي هذا التوجيه النبوي العظيم دعوة إلى الارتقاء فوق الأحقاد والضغائن، وإلى مقابلة الإساءة بالإحسان، والقطيعة بالوصل، والحرمان بالعطاء.
فالمؤمن الحق لا يجعل تصرفات الآخرين مقياسًا لأخلاقه، بل يجعل من مبادئه وقيمه منطلقًا لتعامله مع الناس.
وعلينا أن نصل من قطعنا، وأن نبذل ما نستطيع للمحافظة على روابط المحبة والألفة،
فإن استجاب الطرف الآخر فذلك خير وبركة، وإن أصرّ على القطيعة فالإثم عليه، وقد أدّى الواصل ما عليه من واجب.
وهذا من أعظم صور مكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم فضل صلة الرحم، وأنها سبب في سعة الرزق وطول العمر، فقال:
«من سرّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه» (رواه البخاري).
إن القطيعة لا تضر فردًا واحدًا فحسب، بل تمتد آثارها إلى الأسرة بأكملها، فتزرع الجفاء، وتورث الحزن، وتضعف روابط المحبة والتكافل التي يحتاجها الناس في مواجهة أعباء الحياة.
أما صلة الرحم فتبعث الطمأنينة في النفوس،
وتقوّي أواصر الأسرة، وتجعل المجتمع أكثر ترابطًا وتماسكًا.
فبادروا بصلة أرحامكم، وارتفعوا عن الصغائر والضغائن، وصفّوا ما بينكم من خلافات، فما يدري أحد منا إذا جنّ عليه الليل هل يدرك الفجر أم لا.
وأهلك هم سندك الحقيقي بعد الله عز وجل،
فحافظ على علاقتك بهم، وليحرصوا هم أيضًا على المحافظة على علاقتهم بك، فالمحبة والود والحنان والتكاتف مسؤولية مشتركة بين الجميع، وليست واجبًا على طرف دون آخر.
ومع الأسف، يعيش بعض الناس حالة من الجفاف العاطفي والاجتماعي، فتجده سيئ المعاملة، حادّ الطباع، أو مقاطعًا لأرحامه لأسباب دنيوية زائلة.
بل إن البعض يسمح للخلافات الصغيرة بأن تهدم سنوات طويلة من المحبة والقرب.
ولنتذكر دائمًا أن الوصل لا يعني التنازل عن الكرامة أو قبول الظلم،
وإنما يعني السمو بالأخلاق، والمحافظة على روابط الخير مع وضع الحدود التي تمنع استمرار الأذى.
فالإنسان الكريم يجمع بين العفو والحكمة، وبين الإحسان وحفظ الحقوق.
فبادروا إلى إصلاح ذات بينكم، واطووا صفحات الخلاف ما استطعتم، لتعم السعادة بيوتكم، وتهدأ نفوسكم، وتقل المشاحنات، وتسود بينكم المودة والرحمة التي أمر الله بها وجعلها أساسًا لاستقرار الحياة وسعادتها.


















