مِن أين أتيتم؟! .. على لسان كل مغترب شاف العجب في الغربة
من أصعب الحاجات في الغربة إنك ممكن تعرف شخص، وتقرب منه، وتتعامل معاه بحسن نية… وبعد فترة تكتشف إنك في الحقيقة ما كنتش تعرفه أصلًا!
في بلدك الموضوع مختلف… لما تعرف حد، غالبًا بتعرف أصله وأهله وتربيته ودراسته وشغله والناس اللي حواليه. وحتى لو إنت ما تعرفش، دايمًا فيه حد يعرف وحد تقدر تسأله.
إنما في الغربة؟
إنت وحظك!
كل واحد بيقدم لك نفسه بالصورة اللي هو عايزك تشوفها، وإنت ما عندكش وراه تاريخ تعرفه ولا ناس تسألهم.
والأغرب إن الغربة ساعات بتجمعك بناس، لو كنتوا في مصر، يمكن ما كانوش يحلموا أصلًا إنهم يسلموا عليك أو تكون بينهم وبينك معرفة… وده مش غرور ولا تقليل من حد، لكن لأن الدوائر والبيئات والمستويات كانت مختلفة، والطرق أصلًا ما كانتش هتتقاطع.
لكن هنا تقول: إحنا في الغربة وكلنا ولاد بلد واحدة… فتفتح بابك وقلبك وتدي مساحة وثقة.
وبعدين تبدأ المفاجآت!
وأنا شخصيًا كنت فاكرة إن الغيرة والضغينة والتربص والحقد حاجات بنسمع عنها أكتر وسط الستات… لكن الغربة صححت لي المعلومة! 
شفت من بعض الرجال كمية غيرة وتربص ووعيد وعناد تخليك تسأل:
هو إحنا بنتنافس على إيه أصلًا؟!
تلاقي واحد متابعك، بيحسب خطواتك، نجاحك مضايقه، ووجودك مستفزه… ويمكن إنت أصلًا مش واخد بالك منه ولا داخل معاه في أي منافسة!
والأغرب إنك ممكن ما تكونش عملت له أي حاجة. كل جريمتك إنك موجود، بتشتغل، بتحاول تنجح، ومكمل حياتك.
وساعتها تفهم إن الغيرة ملهاش جنس، والحقد ملوش نوع… وإن النفوس الصغيرة ممكن تلبس بدلة وكرافتة عادي جدًا!
وعرفت كمان إن الأصل مش فلوس، ولا اسم عيلة، ولا شهادة، ولا منصب، ولا منظر اجتماعي.
الأصل تربية وأخلاق.
الأصل بيبان في المواقف، في الأمانة، في حفظ العِشرة، في احترام نجاح غيرك، وفي أخلاق الإنسان وقت الخلاف أو لما المصلحة تنتهي.
والغربة علمتني درس مهم جدًا:
مش كل واحد بيتكلم لغتك يبقى شبهك، ومش كل ابن بلدك يبقى من أهلك، ومش كل غريب يبقى غريب.
وبعض المسافات اللي الغربة قرّبتها… كان الأفضل فعلًا إنها تفضل مسافات!
وبعد كل اللي شوفناه، مبقاش السؤال: مَن أنتم؟
السؤال الحقيقي بقى:
مِن أين أتيتم؟!


















