مشروع قانون الأسرة أمام مجلس النواب.. ملامح تشريع جديد للأحوال الشخصية في مصر
بعد سنوات من النقاش والعمل على إعداد تشريع جديد ينظم مسائل الأسرة، وافق مجلس الوزراء في 29 أبريل 2026 على مشروع قانون بإصدار قانون الأسرة، ثم أُحيل المشروع إلى مجلس النواب في مايو 2026 لدراسته من خلال اللجان المختصة، ليصبح واحدًا من الملفات التشريعية المنتظر مناقشتها خلال دور الانعقاد الجديد الذي يبدأ في أكتوبر 2026. وحتى هذه اللحظة يظل ما بين أيدينا مشروع قانون قابلًا للمناقشة والتعديل، ولا تمثل مواده أحكامًا نافذة إلا بعد إقرارها واستكمال إجراءات الإصدار والنشر.
وبقراءة مسودة المشروع ومذكرته الإيضاحية يتضح أننا لسنا أمام تعديلات محدودة في بعض مسائل الأحوال الشخصية، وإنما أمام محاولة لإعادة تنظيم جانب كبير من العلاقة الأسرية، بداية من الزواج وما يرتبه من حقوق والتزامات، مرورًا بالطلاق والنفقة والحضانة ومسكنها، ووصولًا إلى الرؤية والاستزارة والوصاية وإجراءات التقاضي وتنفيذ الأحكام.
ومن أبرز ما حملته المسودة إعادة ترتيب أصحاب الحق في الحضانة. فالمادة 115 تضع الأم في المرتبة الأولى ثم الأب، قبل الانتقال إلى باقي المستحقين وفق الترتيب الوارد بالنص، مع حضور واضح لمعيار مصلحة المحضون عند الفصل في النزاع. أما المادة 118 فتبقي انتهاء سن الحضانة عند بلوغ الصغير أو الصغيرة خمس عشرة سنة ميلادية. ويتناول المشروع كذلك أثر زواج الحاضن، حيث تعالج المادة 122 المسألة بصورة أكثر تفصيلًا، بما لا يجعل مجرد الزواج في جميع الأحوال سببًا آليًا لإنهاء الحضانة، وإنما تُراعى الحالات والضوابط التي حددتها المسودة ومصلحة الطفل في المقام الأول.
وفي مسكن الحضانة، تناولت المادة 129 مفهوم مسكن الزوجية الذي يمكن أن يكون مسكنًا للحضانة، بينما نظمت المادة 130 التزام المطلق بتهيئة مسكن مناسب لصغاره وحاضنتهم وما يترتب على عدم توفيره. وهذه من النقاط المهمة عمليًا، لأن النزاع على المسكن يظل واحدًا من أكثر المنازعات ارتباطًا بآثار الطلاق والحضانة.
أما الرؤية، فقد منحها المشروع مساحة أكبر من التنظيم. فالمادة 140 تقرر حق غير الحاضن من الأبوين وكذلك الأجداد والجدات في رؤية المحضون، وعند تعذر الاتفاق تتولى المحكمة تنظيمها بما يراعي مصلحة الطفل وسلامته النفسية والبدنية. وتأتي المادة 144 بفكرة الرؤية الإلكترونية، سواء بطلبها ابتداءً أو بالجمع بينها وبين الرؤية المباشرة وفق الضوابط المقررة، فيما تشير المادة 145 في المسودة الحالية إلى مدة للرؤية لا تقل عن ثلاث ساعات أسبوعيًا مع مراعاة سن المحضون وحالته الصحية وظروفه.
والتغيير الأكثر لفتًا للنظر هو تنظيم الاستزارة في المادة 148، وهي تختلف عن مجرد الرؤية لأنها تسمح لصاحب الحق باصطحاب الطفل لمدة محددة ثم إعادته إلى حاضنه، وقد تشمل المبيت وفق السن والشروط والضوابط الواردة بالمشروع. كما تربط المادة 149، في الحالات التي حددتها، بين أداء نفقة المحضون وممارسة الاستزارة متى كانت النفقة ثابتة بسند تنفيذي وتوافرت شروط تطبيق النص. والهدف الظاهر من هذا التنظيم هو الانتقال من فكرة اللقاء المحدود بالطفل إلى تنظيم أكثر وضوحًا لعلاقته بالطرف غير الحاضن، مع وضع ضمانات تحمي المحضون عند التنفيذ.
ويحمل المشروع كذلك توجهًا لإعادة النظر في إنذار الطاعة بصورته التقليدية وتنظيم المسائل المرتبطة بالنفقة والالتزامات الزوجية بصورة مختلفة، إلى جانب معالجة عدد من أحكام الطلاق وتوثيقه وآثاره القانونية. كما يمتد إلى الخطبة والشبكة والمهر والهدايا وبعض الحالات المتعلقة بالتدليس قبل الزواج، فضلًا عن مسائل النسب ووسائل الإثبات والوصاية على أموال القاصر وبعض أحكام المفقود.
لكن الجانب الذي يستحق قدرًا مماثلًا من الاهتمام هو ما يتعلق بإجراءات التقاضي نفسها. فمشكلات الأسرة لا تتوقف عند صدور الحكم، بل كثيرًا ما تبدأ بعده بسبب تعدد الدعاوى وطول إجراءات التنفيذ. ومن هنا يظهر اتجاه المشروع إلى الحد من تشعب المنازعات المرتبطة بالأسرة الواحدة وتطوير آليات تنفيذ الأحكام، بما قد يكون له أثر عملي مباشر في قضايا النفقة والحضانة والرؤية والمسكن وغيرها.
قراءة المشروع بهذه الصورة تكشف أن التغيير المقترح أوسع من تعديل ترتيب الحضانة أو زيادة مساحة الرؤية. نحن أمام محاولة لإعادة صياغة جزء كبير من المنظومة القانونية للأسرة، وإيجاد قدر أكبر من الترابط بين الحقوق الموضوعية وإجراءات الحصول عليها وتنفيذ الأحكام الصادرة بشأنها.
ومع ذلك تبقى الدقة القانونية ضرورية في هذه المرحلة. فالإشارة إلى المواد 115 و118 و122 و129 و130 و140 و144 و145 و148 و149 هي إشارة إلى النصوص الواردة في المسودة المتداولة للمشروع وليست إلى قانون نافذ بصورته النهائية. ومجلس النواب يملك أثناء المناقشة تعديل هذه النصوص أو إعادة صياغتها أو حذف بعضها وإضافة غيرها، ولذلك ستكون العبرة بالنص الذي ينتهي إليه البرلمان ثم يصدر وينشر رسميًا.
المناقشات المقبلة ستكون هي الاختبار الحقيقي للمشروع، ليس فقط من حيث المواد التي ستبقى أو تتغير، وإنما من حيث قدرته في صورته النهائية على تحقيق التوازن بين حماية الطفل وصون حقوق أطراف الأسرة وتقليل زمن المنازعات وضمان تنفيذ الأحكام بصورة أكثر فاعلية. فالقيمة الحقيقية لأي تشريع للأسرة لا تقاس بعدد مواده بقدر ما تقاس بقدرته على التعامل مع الواقع وحماية الحقوق عندما تتحول الخلافات الأسرية إلى نزاع قانوني.


















