م.اشرف الكرم يكتب ”“أكل عِيش”“
ينقسم الناس بين مؤيدٍ ومعارض، في تباينٍ أصبح واضحًا، كلما طُرح موضوعٌ يهم المجتمع، في الجوهر أو في المظهر.
وضمن تلك الموضوعات، بل ومن أهمها، موضوع الباعة الجائلين الذين ينتشرون في شتى ربوع مصر، وبخاصة المدن الجديدة، ومنها مدينة أكتوبر، التي ينتشر بها هؤلاء الباعة في مظهرٍ يبتعدون به تمامًا عن الشكل الحضاري للمدينة.
وللأسف، فإن هذه الظاهرة منتشرة بشكلٍ ملحوظ جدًا، حيث يتسبب الباعة الجائلون في أكثر من حالة سلبية، منها وقوفهم في الشوارع الرئيسية وعلى الأرصفة وبين الحارات المرورية، ليتوقف بعض المارة أو قائدي السيارات عندهم للشراء، وهو ما يتسبب في وقوع بعض الحوادث. وأيضًا تركهم المكان بمخلفات ما يبيعونه، مثل الذرة والتين الشوكي وغيرها، في منظر يبتعد بنا تمامًا عن النظافة العامة. إضافةً إلى عدم وجود وسائل السلامة التي يحتاج إليها بعض هؤلاء، ولكنهم لا يكترثون بها. وهناك نقطةٌ أخرى في غاية الأهمية، وهي عدم إمكانية مراقبتهم صحيًا من الجهات الصحية المختصة، رغم أنهم يقدمون خدماتٍ غذائية للناس.
وإذا ما أُشير إلى هذه الظاهرة على صفحات التواصل الاجتماعي، نجد كثيرًا من المشاركين يهاجمون مَن يدعو إلى إيقاف هذه الظاهرة السلبية، تحت دعوى: "سيبوهم ياكلوا عيش"، أو "لا تقطعوا عيش هؤلاء"، وآخر يقول: "أليس هذا أفضل من أن يبيعوا مخدرات؟"، وكأن الدعوة إلى إنهاء هذه الظاهرة هي دعوةٌ ضد الباعة الجائلين، أو أنها دعوةٌ إلى وقف عمل هؤلاء. وهذا بالطبع غير صحيح، إذ إن الدعوة المناهضة لهذه الظاهرة السلبية هي دعوةٌ إلى إيجاد حلول إبداعية بديلة -وهي مسئولية أساسية تقع على الجهات التنفيذية والإدارية بهذه المدن- تحافظ على المظهر الحضاري للمدن، وفي الوقت نفسه تساعد هؤلاء على الاستمرار في العمل وتقديم خدماتهم بشكل منظم، يحافظ على المستوى الحضاري، ويسهم كذلك في الحفاظ على الصحة العامة لمن يتناولون هذه الأطعمة.
وللأسف، يتناسى المعترضون بأن الرزق، أو "أكل العيش"، بيد الله وحده، فلا يمكن لأحد أن يقطعه؛ لأنه مقسومٌ من الرزاق، ويجب أن يحصل الإنسان عليه بالطرق الصحيحة والمشروعة، دون أن يؤذي غيره، تحت مظلة القاعدة المعروفة: لا ضَرر ولا ضِرَار، إذ أن حق الإنسان في وجود مصدر الرزق، يجب أن لا يتعارض مع حق المجتمع في النظام والجمال والسلامة.
إن حاجتنا إلى رفع وعي المجتمع، ليكون متوازنًا في إبداء الرأي عند طرح أي موضوع يمس جموع الناس، لهي حاجةٌ مُلحَّة، يجب أن تعمل عليها كل القنوات الإعلامية، وكل من يمتلك أدوات التوعية والثقافة والتربية والتعليم، لنشر مفهوم أننا لا نحارب العمل، وإنما نطالب بتنظيم ممارسته بما يحقق المصلحة العامة للوطن.


















