أميرة البيطار تكتب.. حين يرحل المال… ويبقى الأثر
ليس الأب والأم مجرد راعَين لشؤون البيت، بل هما مصانع حقيقية للأجيال القادمة، ينسجان بيديهما خيوط المستقبل، ويضعان حجر الأساس لمجتمع الغد. فالأبناء يرثون من والديهم الطباع، والأخلاق، والدين، والمبادئ، قبل أن يرثوا المال أو الممتلكات.
قال الله تعالى:
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9]
هذه الآية تذكّر كل والد ووالدة أن يتقوا الله في أبنائهم، وأن يورثوهم التقوى والصلاح قبل أن يورثوهم الذهب والفضة.
فالمال قد يذهب في أيام معدودة، أما الأخلاق والمبادئ فهي إرث خالد يبقى ما بقيت الحياة، يثمر جيلاً بعد جيل. قال النبي ﷺ:
“ما نحل والد ولداً من نحل أفضل من أدب حسن” [رواه الترمذي]
فإن رأى الابن والده يتقي الله في كل صغيرة وكبيرة، نشأ على مخافة الله، وصار قلبه معلقاً بالحق. أما إذا رآه يستحل الحرام، ويظلم، ويأكل حقوق الناس، فسوف يتشرب ذلك السلوك، ويرى أثره عقوبةً في الدنيا قبل الآخرة.
قال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا
على ما كان عوّده أبوه
ومن سنّ لأبنائه طريق الظلم والفساد، قد يتمنى يوماً أن يعود به الزمن ليصلح ما أفسده جشعه، لكن بعد فوات الأوان. فقد قال ﷺ:
“اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة” [رواه مسلم]
والأدهى من ضياع المال أن يترك الأب إرث الحقد والعداوة بين أبنائه، فتتفكك الروابط، ويأكل الشيطان المحبة من بينهم.
كم من أب ترك لأبنائه مالاً وفيراً، لكنهم تقاتلوا عليه حتى ضاع المال وضاعت الأخوة. فالمال بلا أخلاق يولد البغضاء، أما الأخلاق مع القليل من المال، فتجعل البيوت عامرة بالمودة والرضا.
علّموا أبناءكم أن الدين والأخلاق هما أساس كل شيء، وأن الحب هو أعظم زاد للإنسان: حب الله، وحب الوطن، وحب الأسرة. ولن يتحقق ذلك إلا إذا أحب الإنسان نفسه حبًا صحيحًا، فأصلحها وزكّاها.
قال الله تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]
وفي الحديث الشريف قال رسول الله ﷺ:
“إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” [رواه مسلم]
وهذا أعظم دليل على أن تربية ولد صالح، على الأخلاق والدين، هي استثمار أبدي يرافق الوالدين حتى بعد رحيلهما.
فعندما تنتهي أعمارنا وتنطفئ أنفاسنا، لن يذكرنا الناس بعدد العقارات التي امتلكناها، ولا بحساباتنا البنكية، بل سيذكرون كيف عاملناهم، وما غرسناه في قلوب أبنائنا من قيم ومبادئ. فاجعلوا ميراثكم الذي تودعونه في الدنيا ميراثًا يبقى في الآخرة… سيرة عطرة، وقلوباً تدعو لكم كلما ذكرتكم


















