م اشرف الكرم يكتب ”“بين السعي والتكالب”“
نعلم جميعًا أننا في هذه الحياة مخلوقون لهدف محدد، خلال مدة زمنية متاحة يسمونها عمر الإنسان، وبإمكانات مقسومة لكل منا من ربنا الخالق، يسمونها الرزق. وهذا الهدف هو، تحديدًا، إعمار الأرض وتطويرها وتهيئتها للاستمرار لكل الأجيال الحالية والقادمة، وذلك امتثالًا لأوامر الخالق سبحانه.
وإعمار الأرض يجب أن يكون وفق ما أراده ربنا من العباد، من نشر الخير والصلاح، وإقامة الحق، ومنع الظلم، واكتساب الرزق المقسوم بشكل حلال، لا طغيان فيه ولا إجحاف بالآخرين؛ لأنه رزق قدّره الله مسبقًا، ولن يزيد بنهب أو سرقة أو تعدٍّ على ما عند الآخرين.
كل هذا مجتمعًا يجب أن يكون في ضمير كل منا، وفي عقل كل مجتهد أثناء تحركه بالسعي لجلب الرزق المقسوم، الذي سيأتينا حتمًا خلال عمر الإنسان في هذه الحياة التي نعيشها. وأعتقد أن غالبيتنا يعلم ذلك، مما كان يجب أن يجعلنا نتوازن في طلب الرزق، فنكون في سعيٍ إليه، لا في تكالبٍ عليه.
لكن يبدو أن مجرد العلم لا يكفي، وأن المعلومات التي تتكرر على مسامع البعض لا تؤدي بالضرورة إلى التطبيق.
إذ إن الواقع ينطق بغير ذلك؛ فنجد من يتعدى على ممتلكات الغير، وآخر يأكل أموال الضعفاء ممن لا يستطيعون ردعه، ونرى أيضًا من يسلب حق غيره، سواء أكان أدبيًا أم ماديًا. وتتفاقم الصورة السلبية لهذا التكالب حين يصل الأمر إلى الاعتداء على الغير، بل وإلى القتل أحيانًا، بغرض الحصول على مال أو منفعة محرمة.
وتحدث أغلب تلك الجرائم بسبب حيود الإنسان عن الطريق الصائب في السعي، للحصول على ما يظن أنه سيزيد ممتلكاته أو سيصب في معين سعادته. وأحيانًا تحدث بسبب الحسرة على ما قد أُخذ منه غصبًا، فيقوم هو بدور الخصم والحكم ثم المنفِّذ، ليسترد بالقوة ما يراه حقًا له، دون اللجوء إلى التقاضي.
ولو ارتفعنا بالرؤية إلى أعلى، لنرى المشهد بصورة أشمل، لرأينا أن كل من على الأرض زائل، وأن الهدف من وجودنا خلال فترة العمر الممنوحة لنا ليس أن أتعدى على غيري للحصول على المزيد؛ فلا مزيد في رزقي المقسوم، وما آخذه بغير حق لا يزيد ما قدّره الله لي، وإنما يحمّلني وزر الوسيلة التي سلكتها للحصول عليه.
وأيضًا، إذا ما ارتأيت أن حقي قد سُلب، فلا بأس أن أسعى إلى التقاضي، أو إلى المجالس العرفية، حسب طبيعة الحق وقيمة ما سُلب مني، محاولةً لاستعادة حقي، ولكن دون تعدٍّ أو طغيان.
ولنتذكر قول الشاعر:
"إِذا كانَت نَفْسي التي تَمْلِكُ الأَشياءَ ذاهِبَةً
فَكَيْفَ أُسِي عَلى شَيْءٍ لَها ذَهَبَا"
علينا أن نهدأ ونتروى في طلب الرزق أو الحقوق؛ بمعنى أن نسعى إليهما، ولكن دون أن نغالي أو نتكالب.
فالسعي ضرورة، والتكالب انحراف؛
والحرص على الرزق مشروع، أما الاعتداء من أجله فليس كذلك.


















