ومع العين وقفات
ذات يومٍ منذ سنين، واجهت أصعب ابتلاء يمكن أن يمر به أحد، وهو الابتلاء في الابن بوفاته، والابن كما نعلم يسكن القلب منذ ولادته وحتى الفراق، وتستمر أحزان الفقد بعد الفراق إلى وقت اللقاء المنتظر، حين يجتمع الأحبَّة في يومٍ لا ريب فيه، وتظل هي السلوى، وعلى ذلك الأمل نستمر في هذه الحياة.
لكن الذي كان أكبر من موت الابن، هو تلك الأفكار التي تنتاب صاحب الابتلاء في ابنه أو في عزيزٍ لديه، إذ يظل الإنسان حائرًا بين الهواجس والوساوس، تنتابه يمنةً ويسارا، وأصارحكم بأنني قد وقعت في ذلك بشدة، حين ساورتني أفكار مثل: تُرى من هو الذي أصاب ابني بالعين، ؟ ومن الذي صَعُب عليه أن يرزقني ربي بالابن، ؟ وهل كان عليَّ أن أخفي نعم الله عليَّ لحماية نفسي من أعين الناس، ؟
والكثير من تلك الأفكار والوساوس، التي تجعل الإنسان في حالة من التخبط والبحث والتوقع والظنون، خاصةً بعد أن طَرَقت كل أبواب العلم والطب، والتحاليل والأبحاث الصحية والجينية والعينات والفحوصات الطبية، وفي دول مثل ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن دون أي جدوى، ودون حتى الوصول إلى مجرد تشخيص للمرض طوال 15 عامًا من تلك الفحوصات.
والذي أود أن أقوله عزيزي القاريء ـوسأركز هنا على موضوع العين ـ هو ليس نفيًا لوجود العين حيث أن "العين حق" بنص الأحاديث النبوية الشريفة، والحسد أيضًا واقعٌ موجود بين الناس بنص الآيات الكريمة، ولكن الذي أود طرحه اليوم بين يديّ القاريء الكريم هو، هل كل حدث يحدث لنا تكون العين وراءه، ؟ وهل كل ما يمكن أن يحدث لي من نعم ربانية يهبها الله لنا، هي واجبة الإخفاء عن الناس حتى لا نصاب بهذه العين، ؟ خاصة إذا علمنا بأن العين تختلف عن الحسد، إذ أن الذي يصيبك بالعين قد يكون لك محبًا، بعكس الحاسد الذي يكون مبغضك ولا يرتاح إلا بضررك.
في الحقيقة، وبعد طول بحثٍ ودراسة لهذا الموضوع الذي هز أركان حياتي يومًا ما، أستطيع أن أجزم بأن العين واقعٌ يحدث من البعض تجاه البعض، بغير قصد الضرر، لكنه فقط لعدم ذكر اسم الله على النعمة التي أَعجَبت صاحب العين ويراها عند الآخرين، وعدم مباركته إياها لمن وهبه الله تلك النعمة ـ أيا كانت ـ وهذه حقيقة ولا شك فيها،
لكن يبقى على الجانب الآخر وقفات هامة، لابد وأن نتذاكرها ونتداركها ونتدارسها ونُذكِّر بها كل مصابٍ بالعين، ومن تلك الوقفات الهامة: أن عليه أن يُحصِّن نفسه دائمًا بالأذكار التي يحفظ الله بها الإنسان من الإصابة بالعين، وهناك أيضًا وجوب الاعتقاد بأن النافع والضار هو الله وحده، وليس صاحب العين أو غيره، وبالتالي فإن ما يقع من إصابة يكون تحت إرادة الله ومن عند الله، فإن منعها فلن تصيب، وأيضًا أنه ليس كل حدث شر يحدث للإنسان يكون بسبب العين بل هناك مسئولية للإنسان في عدم قيامه بالواجب نحو حياته، فتقع أحيانًا إصابات بأحداث شر يكون هو المتسبب فيها وليس فيها عين، وأيضًا لا يجب أن نتهم أحدًا بأنه الذي أصاب بالعين أو أنه الذي أضرني بعينه، حيث أن هذه العين من الغيبيات التي لا يعلم صاحبها إلا الله، حتى لو اشتهر أحدهم بأنه صاحب عين فلا يجب أن نتهمه، بل نكتفي بتذكيره بذكر الله إزاء هذه النعمة التي أعجبته عند غيره،
ومن الوقفات المهمة، أن إخفاء النعم عن الناس، ليس شرطًا لعدم إصابتهم بالأحداث الضارة، بل إن الإخفاء هو مجرد سبب يقوم به من يريد ذلك إرضاءً لنفسه، لكن عليه أن يعلم أن أسباب وأدوات إبعاد عين الناس عن النعمة التي لديه، ليست إلا عملًا لا يُغني شيئًا -أي لا يقدم ولا يؤخر- لكنها حاجة في نفسه يقوم بها ليس إلا.
إن موضوع الإصابة بالعين موضوع يحتاج لمقالات متعددة، ولعلنا نستطيع أن نتكلم مستقبلًا عنه، وعن الحسد والسحر، فالجهالة بتلك الأمور تتسبب في ضياع الكثيرين إذا ما تلبستهم أفكار غير صحيحة عن هذه الأدوات التي تضر الناس، وذلك حتى نسير معها بعلم، ولا نقع فيها بين جهلٍ أو مغالاة.


















